الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
216
تفسير روح البيان
جيئ به للتنبيه على أنه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأولئك لا محالة فَكَيْفَ تَتَّقُونَ قال ابن الشيخ مرتب على الإرسال فالعصيان وكان الظاهر أن يقدم على قوله كما أرسلنا الا انه أخر زيادة في التهويل إذ علم من قوله فأخذناه انهم مأخوذون مثله وأشد فإذا قيل بعده فكيف تتقون كان ذلك زيادة كأنه قيل هبوا انكم لا تؤخذون في الدنيا اخذة فرعون وأمثاله فكيف تتقون اى تقون أنفسكم فاتقى هاهنا مأخوذ بمعنى وقى المتعدى إلى مفعولين دل عليه قول الإمام البيهقي رحمه اللّه في تاج المصادر الاتقاء حذر كردن وخود را نكاه داشتن انتهى . وافتعل يجيئ بمعنى فعل نص عليه الزمخشري في المفصل وان كانت الأمثلة لا تساعده فإنه ليس وقى واتقى مثل جذب واجتذب وخطف واختطف فتأمل إِنْ كَفَرْتُمْ اى بقيتم على الكفر يَوْماً اى عذاب يوم فهو مفعول به لتتقون ويجوز أن يكون ظرفا اى فكيف لكم بالتقوى والتوحيد في يوم القيامة ان كفرتم في الدنيا اى لا سبيل اليه لفوات وقته فاتقى على حاله وكذا إذا انتصب بكفرتم على تأويل جحدتم اى فكيف تتقون اللّه وتخشون عقابه ان جحدتم يوم القيامة والجزاء يَجْعَلُ الْوِلْدانَ من شدة هوله وفظاعة ما فيه من الدواهي وهو صفة ليوما نسب الجعل إلى اليوم للمبالغة في شدته والا فنفس اليوم لا تأثير له البتة والولدان بالفارسية نوزادكان از مادر . جمع وليد يقال لمن قرب عهده بالولادة وان كان في الأصل يصح إطلاقه على من قرب عهده بها ومن بعد شِيباً شيوخا يعنى پير كنند وموى سر ايشان سفيد سازد . جمع أشيب والشيب بياض الشعر وأصله ان يكون بضم الشين كحمر في جمع احمر لان الضم يقتضى الواو فكسرت لأجل صيانة الياء فرقا بين مثل سود وبين مثل بيض وجعلهم شيوخا فيه وجوه . الأول انه محمول على الحقيقة كما ذهب اليه بعض أهل التفسير ويؤيده ما قال في الكشاف وقد مربى في بعض الكتب ان رجلا امسى فاحم الشعر كحلك الغراب اى سواده وأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة بياضا وهو بفتح الثاء المثلثة وبالغين المعجمة نبت ابيض قال أريت القيامة والجنة والنار ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار فمن هول ذلك أصبحت كما ترون وقال احمد الدورقي مات رجل من جيراننا شابا فرأيته في الليل وقد شاب فقلت وما قصتك قال دفن بشر في مقبرتنا فزفرت جهنم زفرة شاب منها كل من في المقبرة كما في فصل الخطاب وبشر المريسي ومريس قرية بمصر أخذ الفقه عن أبي يوسف القاضي الا انه اشتغل بالكلام وقال بخلق القرآن وأضل خلقا كثيرا ببغداد فان قلت إيصال الألم والضرر إلى الصبيان يوم القيامة غير جائز بل هم لكونهم غير مكلفين معصومون محفوظون عن كل خطر قلت قد يكون في القيامة من هيبة المقام ما يجثوبه الأنبياء عليهم السلام على الركب فما ظنك بغيرهم من الأولياء والشيوخ والشبان والصبيان وفي الآية مبالغة وهي انه إذا كان ذلك اليوم يجعل الولدان شيبا وهم ابعد الناس من الشيخوخة لقرب عهد ولادتهم فغيرهم أولى بذلك وكذا في القصة السابقة فان من شاب بمجرد الرؤيا فكيف حاله في اليقظة وهو معاين من الأهوال ما يذوب تحته الجبال الرواسي . والثاني انه محمول